حيدر حب الله

28

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

سآتيك بعد العشاء الآخرة فصلى العشاء الآخرة في أوّل وقتها ، ثم أتاك قبيل الفجر محتجاً بما قال ، لسخرت منه . وهكذا لم يفهم بعض الفقهاء وجوب الخمس إذا حوّل إلى حسابك في البنك مبلغ مالي ولو كان مليون دولار ؛ لأنك لم تقبض بيدك « 1 » ، إلى غيرها من عشرات الأمثلة التي قد يكون سببها أحياناً القراءة الحرفية للنص ، وأحياناً بطريقة تحليلٍ فلسفي ، وأخرى الغياب عن المدلول المناخي والاجتماعي للنص لصالح الاستغراق في المدلول اللغوي الصرف ، وثالثة عدم مواكبة التحوّلات المصداقية والميدانية للمفهوم عينه في مناخات جديدة تختلف عن المناخ التاريخي ، بحيث يتورّط الباحث في الفقه بما يمكن تسميته : الاستنساخ الحرفي للتاريخ ، ورابعة بالخلط بين المصطلحات واللغة العلمية التي ظهرت فيما بعد وبين لغة الكتاب والسنّة ، وهو ما له مصاديق كثيرة مثل كلمات : العلم ، اليقين ، الظن ، الشك ، القلب ، العقل ، الروح ، النفس ، الجهاد ، الإمام ، الحكمة ، المؤمن ، العارف ، الفقه ، الفقيه و . . . إنّ ممارسة الحرفية في فهم النصوص في مجال الروايات ينافي - عندما يخرج عن الحدّ العرفي - ظاهرة النقل بالمعنى في الروايات ، وهي ظاهرة درسناها مفصّلًا في موضعه ، وأثبتنا أنه لا دليل على النقل الحرفي للأحاديث إلا بشاهد وقرينة ، فإذا كانت الرواية من صنع الراوي ، فيما مضمونها من إفادات النبي أو الإمام ، فأيّ معنى للغرق الزائد عن الحدّ الطبيعي في تفاصيل التعابير والكلمات ، فيما المفترض أن يخضع هذا الأمر لمدى فقاهة الراوي وعلمه ، بحيث يلعب علمه دوراً في دقة تعبيره عن القيود والتفاصيل ؟ ! وليست أمانة الراوي لوحدها هنا كافية للالتزام بهذا التدقيق ؛ لأننا لا نشكّك في أمانته ، وإنّما في قدرته الذهنية واللفظية - ما دام

--> ( 1 ) انظر : صراط النجاة 2 : 163 ، 171 .